صدى بلا صوت حين يتكلم الفن كثيرًا… ولا يقول شيئًا

 صدى بلا صوت

حين يتكلم الفن كثيرًا… ولا يقول شيئًا


بقلم المستشار / محمد حجاج حلوة

المحامي بالنقض

الأمين المساعد لأمانة الشؤون القانونية بمحافظة الجيزة – حزب مستقبل وطن

في زمنٍ يعلو فيه الصخب ويسكت المعنى، كان الفن المصري يومًا صوت الحياة في هذا الشرق؛ يضحك حين يفرح الناس، ويبكي حين تبكي شوارعهم، ويثور حين تئنّ البلاد.

كان الفن مرآةً لروح الأمة، لا للزينة ولا للتسلية، بل ليقول شيئًا عن معنى الوجود، وعن الإنسان وهو يصارع الحياة دون أن يفقد طهره.

لكن شيئًا ما تغيّر في الطريق.

اليوم يبدو السوق الفني كجسدٍ يلهث بلا روح؛ المضمون شحيح، والوجدان ضائع، وسقف الحريات يُستغل في غير موضعه. الوجوه على الشاشات كثيرة، لكن الوجوه الحقيقية اختفت.

حين يصبح الضوء بديلاً عن الفكرة

لم يعد الضوء في الاستوديوهات يُنير العقول، بل صار يُغشي الأبصار.

أصبح المشهد الفني ميدانًا لمن يملك الجرأة على الصخب، لا الجرأة على المعنى.

تُكتب الأعمال وكأنها بيانات تسويقية لا رسائل إنسانية.

يُنتج المسلسل لإرضاء الخوارزمية، لا لإرضاء الذوق.

ويُصنع الفيلم ليملأ المقاعد… لا القلوب.

الكتّاب تخلّوا عن القلم لصالح “التريند”، والمخرجون تاهوا بين زوايا الكاميرا فنسوا زوايا الوجدان، والممثلون حفظوا ملامحهم أمام المرايا لكنهم نسوا كيف يُحرّكون ملامح الحياة فينا.

ضحكٌ على الهواء… ووجعٌ في الصمت.

حين كان الفن يعلّم… لا يُلهي

في زمنٍ لم يكن في البيوت سوى شاشة واحدة، كان الناس يلتفون حولها كما يلتف القلب حول من يحب.

لم يكن الهدف أن يمرّ الوقت، بل أن يمتلئ الوعي.

كانت الشاشة تُضيء بالمعنى لا بالإعلانات، وتغرس في النفوس معرفةً لا تُنسى.

كانت تُربّي ولا تُروّج، تبني وعيًا ولا تصنع ضجيجًا.

خرج منها الطفل بسؤال، والشاب بفكرة، والشيخ بابتسامة رضا.

الفن مرآة الأمة… والمرآة مكسورة

الفن الحقيقي لا يعيش على فتات الاهتمام، بل على صدق المعنى.

هو نبض الناس، وذاكرة الوجدان، وسطر الحقيقة حين يخاف الجميع من قولها.

لكن المرآة التي كانت تُظهر وجه مصر الجميل تهشّمت تحت أقدام الركاكة، فصارت تُعيد لنا صورًا مشوهة لا تشبهنا.

ألوان كثيرة… موسيقى صاخبة… مكياج لامع…

لكن الروح غائبة.

من ذاكرة الفن… إلى فوضى الشاشة

بين الأمس واليوم مسافة لا تُقاس بالسنوات، بل بعمق الفكرة وصدق الكلمة.

الفن المصري لم يكن مجرد ترف، بل كان وجدان أمة.

وقد يخفت صوته أحيانًا، لكنه لا يموت.

فالفن الذي لا يُوقظ الوعي، ولا يُحرّك فينا إنسانيتنا،

يبقى مجرد صورة على شاشة مضيئة… لكنها بلا روح.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المهندس أحمد بدران يشيد بتوجيهات رئيس الجمهورية لضمان شفافية الانتخابات وحماية إرادة الناخبين

ميرفت رزق… عندما يتحول العمل الخيري إلى رسالة حياة

رئيس الوحدة المحلية بأم خنان نموذج للمسؤول الفاعل وتنفيذ كامل لتوجيهات المهندس عبد الخالق فرج رئيس مدينة الحوامدية وتوجيهات الدولة في خدمة المواطنين